جدل علمي وإعلامي في بريطانيا حول حقيقة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

أثار التشكيك في حقيقة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه جدلًا علميًا وإعلاميًا في بريطانيا، عقب انتقادات وجهتها صحيفة «ذا جارديان» لبرنامج تلفزيوني عرضته القناة الرابعة البريطانية، واتهمته بتقديم معالجة انتقائية للأدلة العلمية.
وفي مقال رأي، انتقدت أستاذة التصوير العصبي المعرفي جينا ريبون البرنامج، معتبرة أنه أضاع فرصة لفتح نقاش علمي حقيقي حول دقة تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وحدود علاجه، وانحاز بدلًا من ذلك إلى آراء وتجارب تدعم موقفًا محددًا مسبقًا.
وأشارت ريبون إلى أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه معترف به عالميًا، بما في ذلك من جانب منظمة الصحة العالمية والخدمات الصحية البريطانية، لافتة إلى وجود عقود من الأبحاث الجينية والسريرية والعصبية التي تناولت الاضطراب.
انتقادات لانتقائية الأدلة
ووجهت الكاتبة انتقادات إلى مقدم البرنامج ماكس بيمبرتون، معتبرة أن العمل بدا وكأنه ينطلق من نتيجة محددة ثم يبحث عن الآراء والتجارب التي تدعمها، بدلًا من اختبار الفرضيات في ضوء الأدلة المؤيدة والمخالفة.
كما انتقدت تناول البرنامج لأبحاث تصوير الدماغ، بعدما اعتبر عدم وجود فحص واحد يمكنه تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى الفرد دليلًا على أن الاضطراب لا يمتلك أساسًا عصبيًا.
وأوضحت ريبون أن هذا الاستنتاج لا يعكس طبيعة الأبحاث العلمية، إذ يمكن رصد فروق في الدماغ على مستوى المجموعات، حتى وإن لم يكن بالإمكان استخدام صورة دماغ واحدة كأداة تشخيصية مستقلة لكل حالة.
تجارب لا تستوفي المعايير العلمية
ومن أبرز الانتقادات تجربة طفل يبلغ من العمر 10 سنوات أوقف دواءه لمدة ستة أسابيع بالتزامن مع تغييرات واسعة في نمط حياته، شملت تقليل استخدام الشاشات والهواتف، وتغيير النظام الغذائي، وممارسة الرياضة واليوجا وقضاء وقت أطول في الطبيعة.
واعتبرت ريبون أن هذه التجربة لا يمكن وصفها بأنها دراسة علمية، لغياب مجموعة مقارنة وعدم إمكانية تحديد تأثير كل تغيير على حدة، فضلًا عن أن حالة فردية واحدة لا يمكن الاعتماد عليها لاستخلاص نتائج علمية عامة.
أما التجربة الثانية، فتضمنت خضوع مقدم البرنامج لتقييم عبر الإنترنت مقابل نحو 1200 جنيه إسترليني، قبل حصوله سريعًا على تشخيص يشير إلى إصابته باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
وترى ريبون أن سهولة الحصول على تشخيص غير دقيق، إن ثبتت، لا تعني أن الاضطراب نفسه غير حقيقي، مؤكدة أن وجود خلل في بعض إجراءات التشخيص لا ينفي وجود الحالة الطبية التي يسعى التشخيص إلى رصدها.
أسئلة مشروعة حول التشخيص والعلاج
ورغم انتقاداتها، أقرت ريبون بأن البرنامج أثار أسئلة تستحق البحث والنقاش، من بينها ما إذا كانت معايير التشخيص أصبحت واسعة أكثر من اللازم، ومدى دقة بعض التقييمات الخاصة، وما إذا كانت الأدوية تستخدم أحيانًا في حالات قد تكون التغييرات البيئية أو التعليمية أكثر فاعلية فيها.
وشددت على أن طرح هذه التساؤلات لا يعني تجاهل الأدلة المتراكمة على مدار عقود من الأبحاث الجينية والنمائية والسريرية والعصبية.
وخلصت إلى أن التشكيك في المعرفة العلمية ليس خطأ في حد ذاته، بل يمثل جزءًا أساسيًا من تطور العلم، إلا أن التشكيك العلمي الحقيقي يتطلب اختبار الفرضيات في مواجهة أقوى الأدلة التي قد تدحضها، وليس انتقاء مجموعة من الآراء والتجارب التي تقود إلى النتيجة نفسها.



