جيروم باول.. الرجل الذي واجه التضخم وحمى استقلال الفيدرالي الأمريكي

على مدار ثماني سنوات داخل أروقة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، اعتاد رئيسه جيروم باول المرور يوميًا أمام صورة رئيس الفيدرالي الأسبق آرثر بيرنز، الرجل الذي ارتبط اسمه بفقدان السيطرة على التضخم خلال سبعينيات القرن الماضي بعد خضوعه لضغوط الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، كان باول يردد في داخله باستمرار: “لن أكون أنت”، في إشارة إلى رفضه تكرار تجربة بيرنز، قبل أن يجد نفسه لاحقًا في مواجهة سلسلة أزمات غير مسبوقة وضعت الاقتصاد الأمريكي أمام واحدة من أصعب مراحله الحديثة.
جائحة كورونا.. اختبار الإنقاذ السريع
مع تفشي جائحة كورونا في مارس 2020، دخل الاقتصاد العالمي حالة شلل شبه كامل، بعدما انهارت الأسواق وجفت السيولة، فيما أشارت تقديرات داخل الفيدرالي إلى احتمالية وصول معدلات البطالة إلى 20%، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الكساد الكبير.
في تلك اللحظة، تحرك باول بسرعة استثنائية، حيث خفض أسعار الفائدة إلى الصفر، وأطلق برامج تحفيز وضخ سيولة ضخمة لدعم الأسواق وإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الانهيار.
وساهمت تلك الإجراءات في تهدئة الأسواق المالية واستعادة الثقة تدريجيًا، لكن التحدي الأكبر ظهر لاحقًا مع انفجار موجة التضخم.
التضخم والحرب الأوكرانية
بعد انحسار تداعيات الجائحة، بدأت الأسعار ترتفع بوتيرة هي الأسرع منذ عقود، بينما اعتقد الفيدرالي في البداية أن التضخم سيكون مؤقتًا.
لكن مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا، قفز التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياته منذ 40 عامًا، ما دفع باول إلى تنفيذ أعنف دورة رفع للفائدة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وأثارت تلك الخطوات مخاوف واسعة داخل الأسواق من دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود حاد، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
أزمة البنوك والهبوط الناعم
ومع استمرار سياسة التشديد النقدي، بدأت التداعيات تظهر داخل القطاع المصرفي، وكان أبرزها انهيار Silicon Valley Bank عام 2023، في أكبر أزمة مصرفية تشهدها الولايات المتحدة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
لكن المفاجأة التي لفتت انتباه الأسواق والمحللين تمثلت في قدرة الاقتصاد الأمريكي على تجنب الانهيار، إذ لم ترتفع البطالة بالمعدلات المتوقعة، كما لم يدخل الاقتصاد في ركود عميق.
ووصف اقتصاديون ما حدث بأنه “هبوط ناعم” للاقتصاد الأمريكي، وهو السيناريو الذي كان يُنظر إليه باعتباره شبه مستحيل بعد موجة رفع الفائدة الحادة.
صدام الضغوط السياسية
الفصل الأكثر حساسية في مسيرة باول جاء مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، حيث تصاعدت الضغوط والانتقادات الموجهة لرئيس الفيدرالي بسبب استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، وسط اتهامات بإبطاء الاقتصاد الأمريكي.
ورغم ذلك، حاول باول الحفاظ على استقلالية البنك المركزي، وتجنب تكرار تجربة السبعينيات التي ظل يخشى إعادة إنتاجها طوال سنوات قيادته للفيدرالي.
ومع اقتراب نهاية ولايته، يبقى الجدل قائمًا داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية بشأن إرث جيروم باول: هل نجح في إنقاذ الاقتصاد الأمريكي من أخطر موجة تضخم منذ عقود؟ أم أن إنجازه الأبرز كان حماية استقلال الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من الضغوط السياسية؟



