المكسيك تشتعل بعد مقتل أخطر زعيم عصابة لترويج المخدرات في العالم .. أنصار إل مينتشو يحرقون المدن ويشلون حركة الدولة

لم تكد تمر ساعات قليلة على إعلان مقتل نيميسيو أوسيجويرا، الشهير بـ “إل مينتشو”، زعيم كارتل “جاليسكو للجيل الجديد”، في غارة عسكرية وصفت بالخاطفة ببلدة “تابالبا”، حتى تحولت المكسيك إلى ساحة حرب مفتوحة تشبه أفلام الرعب السينمائية.
وهذه المرة، لم يكن العنف مجرد اشتباكات حدودية، بل كان “زلزالاً أمنياً” منظماً أطلقه أنصار الزعيم القتيل كانتقام فوري من الدولة، ليغرقوا أكثر من ست ولايات في دوامة من النار والدخان، ويجبروا العالم على حبس أنفاسه أمام مشهد “الردع الإجرامي” الذي لم يسلم منه حتى السياح والمصطافين على شواطئ المحيط الهادي.

بدأ المشهد الدرامي فجر اليوم التالي للعملية، حيث استيقظ المكسيكيون على “تكتيك الأرض المحروقة”؛ مسلحون ملثمون يشتبه في انتمائهم للكارتل قاموا بإغلاق الطرق السريعة الحيوية باستخدام شاحنات عملاقة أضرموا فيها النيران، بينما تعرضت المحال التجارية والمراكز الحيوية لعمليات حرق وتخريب ممنهجة.
والهدف لم يكن السرقة، بل “شل حركة الدولة” وإرسال رسالة مفادها أن غياب “إل مينتشو” لا يعني غياب قبضته الحديدية، بل يعني بداية عهد من الفوضى التي لا سقف لها.
وفي ولاية خاليسكو والولايات المجاورة، تحولت السماء الزرقاء إلى ستائر سوداء من الدخان الكثيف، مما دفع السلطات لإصدار أوامر “حظر تجوال” غير رسمية، مطالبة السكان والسياح بالبقاء داخل منازلهم، ومنع سائقي الشاحنات من التحرك إلا عبر ممرات مؤمنة بالكامل من الجيش.
رعب في “بويرتو فالارتا”.. الدخان يحجب زرقاء المحيط
على ساحل المحيط الهادي، وتحديداً في منتجع “بويرتو فالارتا” الشهير الذي طالما كان ملاذاً آمناً للسياح الأجانب، تحولت عطلة الشتاء إلى كابوس. صور السياح المذهولون أعمدة الدخان وهي تتصاعد لتغطي أفق الميناء، في مشهد سريالي يجمع بين جمال الطبيعة وقسوة الجريمة المنظمة.
وهذا الرعب دفع شركات طيران عالمية كبرى مثل “إير كندا” و”يونايتد إيرلاينز” و”الخطوط المكسيكية” إلى إلغاء رحلاتها فوراً إلى المنتجعات المتضررة، تاركة آلاف المسافرين في حالة من العزلة والقلق.
دانيال دروليت، وهو مواطن كندي اعتاد قضاء شتائه في بويرتو فالارتا منذ سنوات، وصف الوضع في مقابلة هاتفية بأنه “نقطة تحول مرعبة”، مؤكداً أن الهدوء الذي كانت تتمتع به هذه المنطقة السياحية قد تبخر تماماً، وسط مخاوف من أن تصبح المنتجعات “ساحة تصفية حسابات” في الحقبة الجديدة التي تلت مقتل الزعيم.
ولم يعد السائح يخشى السرقة، بل بات يخشى أن يكون عالقاً وسط نيران “حروب الشوارع” التي لا تفرق بين مواطن وأجنبي.
اعترافات من قلب الكارتل.. مابعد “إل مينتشو” هو الأخطر
وفي تصريح صادم لـ “رويترز”، كشف أحد أعضاء عصابة “خاليسكو نيو جينيريشن” -طلب عدم ذكر اسمه- أن ما نراه الآن هو مجرد “البداية”. وأكد العضو أن موجة الحرائق وإطلاق النار المتقطع هي “عمليات انتقامية” مباشرة ضد الحكومة رداً على مقتل “الزعيم”، مشيراً إلى حالة من “السخط العارم” داخل صفوف التنظيم.
لكن الأخطر في تصريحاته كان تنبؤه بما هو قادم؛ حيث أكد أن الجماعة ستشهد “حروباً داخلية” طاحنة، إذ ستحاول أجنحة مختلفة داخل الكارتل بسط نفوذها والسيطرة على مقاليد القوة التي تركها أوسيجويرا خلفه، وهو ما يعني أن إراقة الدماء لن تتوقف عند حدود الانتقام من الدولة، بل ستمتد لتصفية الحسابات بين “أمراء الحرب” الجدد.
وهذا المشهد الدموي ليس غريباً على الذاكرة الجمعية للمكسيكيين، الذين عانوا لأكثر من عقدين من الزمن من حروب العصابات التي دمرت مناطق واسعة من البلاد. إلا أن مقتل “إل مينتشو” يمثل فصلاً استثنائياً؛ فهو لم يكن مجرد تاجر مخدرات، بل كان يدير “جيشاً نظامياً” يمتلك أحدث الأسلحة والتقنيات.
وتعيش الحكومة المكسيكية الآن اختباراً حقيقياً؛ فإما أن تنجح في استيعاب هذه الفوضى وكسر شوكة الأجنحة المتصارعة، أو أن تنزلق البلاد إلى “فراغ أمني” أوسع يجعل من عام 2026 العام الأكثر دموية في تاريخ الصراع مع الكارتلات.
توصيات وإجراءات طارئة
أمام هذا التصعيد، شددت السلطات الأمنية على ضرورة اتباع التعليمات التالية لضمان السلامة:
• تجنب السفر البري: خاصة على الطرق السريعة الرابطة بين ولاية خاليسكو والولايات المجاورة حتى إشعار آخر.
• البقاء في الأماكن المغلقة: بالنسبة للسكان في مناطق الاشتباكات، والابتعاد عن النوافذ والمناطق المفتوحة.
• متابعة تحديثات الطيران: المسافرون عبر المطارات الإقليمية عليهم التأكد من حالة رحلاتهم قبل التوجه للمطار نتيجة الإلغاءات المستمرة.
• الحيطة في المنتجعات: على السياح الالتزام بالفنادق وعدم التحرك نحو الموانئ أو الساحات العامة التي تشهد تجمعات أمنية.
وفي الختام، يظل مقتل “إل مينتشو” انتصاراً معنوياً كبيراً للجيش، لكنه “انتصار ملغم” بالبارود؛ فالرجل الذي كان يسيطر على خريطة الجريمة رحل، تاركاً وراءه آلاف “الجنود” الذين لا يعرفون سوى لغة الرصاص والحرائق، مما يضع مستقبل الأمن في المكسيك والمنطقة بأكملها على المحك.




