خبير أسواق مال: الاقتصاد المصري يدخل مرحلة التعافي التدريجي.. والمكاسب لم تصل إلى جميع الفئات

أكد محمد شفيق، خبير أسواق المال، أن الاقتصاد المصري بدأ يدخل مرحلة جديدة من التعافي التدريجي، بعدما انعكست الإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها الدولة خلال الفترة الماضية على عدد من المؤشرات الكلية، وفي مقدمتها تراجع معدلات التضخم، ما أتاح للبنك المركزي البدء في خفض أسعار الفائدة بصورة تدريجية، إلى جانب تحقيق الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو حقيقي بلغ نحو 4.2% خلال النصف الأول من العام الحالي.
وأوضح شفيق أن التساؤل الأهم لم يعد يتعلق بما إذا كان الاقتصاد يتعافى أم لا، وإنما بمن هم المستفيدون الحقيقيون من هذا التعافي، وما إذا كانت نتائجه انعكست على جميع فئات المجتمع أم تركزت مكاسبه في قطاعات محددة.
وأشار إلى أن التحسن الحالي جاء مدفوعًا بعدة عوامل، أبرزها تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وصفقة رأس الحكمة، وتحرير سعر الصرف، وعودة تدفقات النقد الأجنبي، وارتفاع الاحتياطي النقدي، وتراجع الضغوط على سوق الصرف.
وأضاف أن القطاع المصرفي يتصدر قائمة المستفيدين من التعافي، بعدما تجاوزت أصوله 22 تريليون جنيه، فيما تخطت ودائع العملاء 15 تريليون جنيه، وبلغت القروض والتسهيلات الائتمانية أكثر من 8 تريليونات جنيه، في الوقت الذي حققت فيه العديد من البنوك الكبرى معدلات نمو في الأرباح تراوحت بين 70% و200%، وفق القوائم المالية المعلنة.
وأكد أن هذه الأرباح جاءت نتيجة استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة خلال الفترة الماضية، إلى جانب الاستثمار المكثف في أذون وسندات الخزانة، وزيادة إيرادات فروق أسعار الفائدة والعملات الناتجة عن تمويل التجارة والاستيراد، موضحًا أن محافظ البنوك من أدوات الدين الحكومية أصبحت أحد أهم مصادر أرباحها.
وأوضح خبير أسواق المال أن المستثمرين في أدوات الدين الحكومية جاءوا في المرتبة الثانية بين أكبر المستفيدين، بعدما سجلت أذون الخزانة خلال فترات مختلفة عوائد تراوحت بين 25% وأكثر من 30%، وهي من أعلى العوائد في الأسواق الناشئة، ما استفادت منه البنوك وصناديق الاستثمار وشركات التأمين والمستثمرون الأجانب عبر ما يعرف بتجارة الفائدة، إلى جانب كبار المستثمرين المحليين.
ولفت إلى أن عودة الاستثمارات الأجنبية إلى سوق الدين المحلي ساهمت في دعم السيولة الدولارية وتعزيز استقرار الجنيه، خاصة بعد تحرير سعر الصرف الذي خفض القيمة الدولارية للأصول المصرية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة والتدفقات الاستثمارية المرتبطة بصفقة رأس الحكمة، ما جعل الأسهم والعقارات والشركات المصرية أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين.
وأشار إلى أن القطاع الخاص بدأ يستعيد نشاطه تدريجيًا، لا سيما في قطاعات الصناعات الغذائية ومواد البناء والصناعات التصديرية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والتطوير العقاري والسياحة، مستفيدًا من تحسن توافر الدولار والإفراج عن البضائع بالموانئ، وهو ما ساعد على تخفيف أزمات الإنتاج.
وأوضح أن قطاع السياحة يعد أحد أبرز الرابحين، بعدما استقبلت مصر نحو 16 مليون سائح خلال عام 2025 والنصف الأول من عام 2026، بإيرادات تجاوزت 15 مليار دولار، ليواصل القطاع دوره كأحد أهم مصادر النقد الأجنبي إلى جانب تحويلات المصريين بالخارج والصادرات وإيرادات قناة السويس.
وأضاف أن المصدرين استفادوا بصورة كبيرة من تحرير سعر الصرف، الذي منح المنتجات المصرية ميزة تنافسية أكبر في الأسواق الخارجية، وهو ما انعكس على صادرات الأسمدة والكيماويات والصناعات الغذائية والملابس الجاهزة ومواد البناء.
كما أشار إلى أن البورصة المصرية شهدت انتعاشًا ملحوظًا مع تحسن ثقة المستثمرين وارتفاع قيم التداول، وزيادة إقبال المؤسسات المحلية والأجنبية على الأسهم، خاصة في قطاعات البنوك والعقارات والصناعة.
التعافي لم يصل للجميع
وأكد شفيق أن الصورة ليست إيجابية بالكامل، إذ إن العديد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة لم تحقق الاستفادة نفسها، بل واجهت تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل وصعوبة المنافسة أمام الكيانات الكبرى والبنوك والشركات ذات الملاءة المالية المرتفعة.
وأضاف أن المواطن العادي، خاصة أصحاب الدخول المحدودة والطبقة الوسطى، لم يشعر حتى الآن بتحسن ملموس في مستوى المعيشة، رغم تراجع معدل التضخم، بسبب استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات وعدم مواكبة الأجور للزيادة الكبيرة في تكاليف المعيشة، وهو ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية للأسر.
وأشار كذلك إلى استمرار تحديات سوق العمل، سواء من حيث محدودية فرص العمل الجيدة أو ضعف جودة الوظائف المتاحة، لا سيما أمام الشباب والخريجين، ما يقلل من استفادة شريحة واسعة من المجتمع من مؤشرات النمو الحالية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري يسير بالفعل في مسار التعافي، إلا أن استدامة هذا التعافي ستظل مرتبطة بقدرته على تحقيق نمو أكثر شمولًا وعدالة، بحيث تمتد ثماره إلى الطبقة الوسطى والمشروعات الصغيرة ومحدودي الدخل، عبر سياسات تدعم الإنتاج وتوفر فرص عمل حقيقية وتحسن مستويات المعيشة، مؤكدًا أن نجاح أي اقتصاد لا يقاس فقط بمعدلات النمو، وإنما بمدى انعكاس هذا النمو على حياة المواطنين.



